أبي منصور الماتريدي

261

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الكفر ؛ فظهر مراده بمقابله ، وهو قوله وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ [ الجن : 14 ] . والضر قد يكون في الدين والمال والنفس ، ولكنه لما ذكر قوله : رَشَداً ، والرشد يتكلم به في الدين ، علم أن قوله : ضَرًّا راجع إليه أيضا ، فكأنه يقول : لا أملك إضلالكم ، ولا رشدكم ؛ إنما ذلك إلى الله تعالى ، يضل من يشاء ، ويهدي من يشاء . والمعتزلة [ تزعم أن ] « 1 » الله تعالى لا يملك رشد أحد ولا غيه ، بل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أكثر ملكا منه ؛ لأنه يملك « 2 » أن يدعو الخلق إلى الهدى بنفسه ، والله تعالى لا يملك ذلك إلا برسوله . وقال - عزّ وجل - : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 272 ] ، وقال : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] ، ولو كان المراد من الهداية المضافة إلى الله تعالى الدعوة والبيان ، لكان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يهديهم ؛ لأنه داع ومبين ؛ فثبت أن في الهداية من الله تعالى لطفا لا يبلغه « 3 » تدبير البشر . وقوله - عزّ وجل - : قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً . فكأنهم طلبوا منه ترك تبليغ الرسالة إلى قوم ، أو كتمان شيء ما « 4 » أمر بإظهاره ، أو محاباة أحد من الأجلة ، فأمر أن يخبرهم أنه لا يجيره أحد من الله تعالى ، ولا يجد لنفسه ملجأ إن فعل ذلك ، سوى أن [ يبلغ رسالات ربه ] « 5 » ؛ فيجيره من عذابه ؛ ويكون له عنده ملجأ ؛ إن فعل . وقوله - عزّ وجل - : إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ : فمنهم من جعل قوله : إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ استثناء « 6 » من قوله : قل إني لا أملك لكم ضرّا ولا رشدا إلا بلاغا من الله أي : إني لا أملك لكم هدايتكم ولا إضلالكم إلا ما كلفت لأجلكم من تبليغ الرسالة . ومنهم من جعل هذا استثناء من قوله : قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ إن عدلت عن أمره ، ولم أبلغ الرسالة ؛ فلا يجيرني من عذابه إلا أن أبلغ الرسالة ؛ قال الله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [ المائدة : 67 ] ، وقال :

--> ( 1 ) في ب : تقول : إن . ( 2 ) في ب : أمر . ( 3 ) في ب : يدركه . ( 4 ) في ب : فيما . ( 5 ) في ب : تبليغ الرسالات لربه . ( 6 ) في ب : استثنى .